محمود سالم محمد
114
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
فالأجلّ لم يكتف في تقديمه لمدح الخليفة بذكر الأماكن المقدسة والقسم بها ، بل جمع إليها بعض مناسك الحج ، ووصف الراحلين إلى الحجاز ، فأظهر ما هم عليه من تقوى وسرور لتجشمهم عناء السفر في طاعة اللّه وفوزهم بأمانيهم ، وكأنه بدأ بذكر الديار المقدسة وثنى بذكر الرحلة إليها ، ليلائم بين مقدمته هذه التي تناسب مقام الممدوح الديني ، وبين مقدمات المديح التقليدية التي تبدأ بذكر الديار وتثني بذكر الرحلة . إن انتشار ذكر الأماكن المقدسة وإظهار التشوق إليها ، جعل شعراء ليس لهم أي توجه ديني يوردونه ، وربما جاروا غيرهم من الشعراء المتصوفة ، لظنهم أن تلك الطريقة في التعبير ، تسترعي الانتباه أكثر من غيرها وتثير مشاعر الحنين عند المتلقين فيتمّ تجاوبهم العاطفي مع الشاعر . ومما شجع على انتشار المديح النبوي ، واكتماله في هذا العصر ، ظهور الاحتفالات بمولد النبي الكريم وما تحتاجه هذه الاحتفالات من شعر ينشد فيها ، يمجّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صاحب هذه الذكرى ، وينبه على قدره السامي . وكان الفاطميون يقيمون موالد متعددة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من آل البيت - رضوان اللّه عليهم - ، وهذه الموالد ذكّرت الشعراء بما يجب عليهم اتجاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ويقال إن أول من احتفل بالمولد النبوي هو مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وصهر صلاح الدين الأيوبي الذي توفي سنة ( 630 ه ) « 1 » . وفي هذه الأثناء انتشر الاحتفال بالمولد النبوي بين شرق البلاد العربية الإسلامية وغربها ، وكان يحتفل به احتفالا صاخبا ، يشارك فيه أصحاب الأمر وأعوانهم ، والفقهاء والمتصوفة والوعاظ والقراء والمنشدون ، وسيمر معنا عند الحديث عن المولد النبوي تفصيل هذه الاحتفالات وما ألّف في المولد وما نظم فيه .
--> ( 1 ) ابن الوردي : تتمة المختصر 2 / 235 .